أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
143
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
القسم وجوابه خبر المبتدأ ، وهي قراءة جلية واضحة ، كما قرأوا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ « 1 » ومثله : وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا « 2 » ولا التفات إلى قول من نفى أن « لَمَّا » بمنزلة إلّا . فقد تقدمت أدلته . وأما قراءة اليزيدي وابن أرقم « لَمَّا » بالتشديد منونة ف « لَمَّا » فيها مصدر من قولهم : لممته ، أي : جعلته لمّا ، ومنه قوله تعالى : وتأكلون التّراث أكلا لمّا » « 3 » . ثم في تخريجه وجهان : أحدهما : قاله أبو الفتح : « وهو أن يكون منصوبا بقوله : « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ » على حد قولهم : « قياما لأقومنّ وقعودا لأقعدنّ » . والتقدير : توفية جامعة لأعمالهم ليوفينهم . يعني : أنه منصوب على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون الاشتقاق والثاني : ما قاله أبو علي الفارسي : « وهو أن يكون وصفا ل « كلّ » وصف بالمصدر مبالغة ، وعلى هذا فيجب أن يقدر المضاف إليه « كلّ » نكرة ليصح وصف « كلّ » بالنكرة ، إذ لو قدر المضاف معرفة لتعرفت « كلّ » ولو تعرفت لامتنع وصفها بالنكرة ، فلذلك قدر المضاف إليه نكرة ، ونظير ذلك قوله تعالى : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا « 4 » فوقع « لَمَّا » نعتا ل « كُلًّا » وهو نكرة . قال أبو علي : « ولا يجوز أن يكون حالا ، لأنه لا شيء في الكلام عامل في الحال » . وظاهر عبارة الزمخشري أنه تأكيد تابع ل « كُلًّا » كما يتبعها أجمعون ، أو أنه منصوب على النعت ل « كُلًّا » فإنه قال : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ كقوله أَكْلًا لَمًّا « 5 » والمعنى : « وإن كلّا ملومين » « 6 » بمعنى : مجموعين ، كأنه قيل : وإن كلّا جميعا كقوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ انتهى . لا يريد بذلك أنه تأكيد صناعي ، بل معنى ذلك ، وأراد : أنه صفة ل « كُلًّا » ولذلك قدره : بمجموعين ، وقد تقدم لك في بعض توجيهات « لَمَّا » بالتشديد من غير تنوين ، أن المنون أصلها ، وإنما أجرى الوصل مجرى الوقف ، وقد عرف ما فيه ، وخبر « إِنَّ » على هذه القراءة هي جملة القسم المقدر ، وجوابه سواء في ذلك تخريج أبي الفتح أو تخريج شيخه ، وأما قراءة الأعمش فواضحة جدا ، وهي مفسرة لقراءة الحسن المتقدمة ، لولا ما فيها من مخالفة سواد الخط . وأما قراءة ما في مصحف أبيّ كما نقلها أبو حاتم ، ف « إن » فيها نافية ، و « من » ، زائدة في النفي ، و « كلّ » مبتدأ ، و « لنوفّينّهم » مع قسمه المقدر خبرها ، فتؤول إلى قراءة الأعمش التي قبلها ، إذ يصير التقدير بدون من ، وإن كل إلّا ليوفينهم والتنوين في « كُلًّا » عوض من المضاف إليه . قال الزمخشري : « يعني : وإنّ كلّهم وإنّ جميع المخالفين فيه » . وقد تقدم أنه على قراءة « لَمَّا » بالتنوين في تخريج أبي علي له ، لا يقدر المضاف إليه « كلّ » إلا نكرة ، لأجل نعتها بالنكرة ، وانظر إلى ما تضمنته هذه الآية الكريمة من التأكيد ، فمنها التوكيد ب « إن » وب « كلّ » وب « لام » الابتداء الداخلة على خبر « إن » ، وبزيادة « ما » على رأي ، وبالقسم المقدر وب « اللام » الواقعة جوابا له ، وبنون التوكيد ، وبكونها مشددة ، واردافها بالجملة التي بعدها من قوله : « إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » فإنه يتضمن وعيدا شديدا للعاصي ، ووعدا صالحا للطائع . وقرأ العامة : « يَعْمَلُونَ » بياء الغيبة جريا على ما تقدم من المختلفين . وقرأ ابن هرمز : « بما تعملون » بالخطاب ، فيجوز أن يكون التفاتا من غيبة إلى خطاب ، ويكون المخاطبون الغيب المتقدمين ، ويجوز أن يكون التفاتا إلى خطاب غيرهم .
--> ( 1 ) سورة يس ، آية : ( 32 ) . ( 2 ) سورة الزخرف ، آية : ( 35 ) . ( 3 ) سورة الفجر ، آية : ( 19 ) . ( 4 ) الآية السابقة . ( 5 ) الآية السابقة . ( 6 ) سورة الحجر ، آية : ( 30 ) .